التحريم في الفن ـ الإسلام وتهمة التحريم
عباس باني حسن



             
                                   لاحظ الخطوط السوداء الدخيلة على هذه الصورة الجميلة                      

تهمة التحريم
كنت أتكلم عن فكرة التحريم في الفن مع أحد الأصدقاء الفرنسيين المقربين. كان الموضوع حول طبيعة المحرمات في فن العصور الحجرية، خصوصاً، موضوع الحيوان في الكهوف. فكانت دهشتي أكبر من دهشة صديقي، الذي رد على كلامي قائلاً : " ليس من إسلام في ذلك العصر". لا ذنب لصديقي في كل هذا وهو لا يتعدى كونه محب للفن ولم تسنح له الفرصة للتعرف أكثر على طبيعته المعقدة. إن رد الفعل هذا يذكرني بآراء وجدتها في دراسات عن تاريخ الفن. وفي كلام مدون لشخصيات لها وزنها العلمي مثل الدكتور ( جواد علي ) الذي يذكر بأن : ( كان لعقيدة الإسلام في تحريم التقرب إلى الصور وتقديسها أثر كبير في ظهور هذه المشكلة عند البيزنطينيين. ) ( جواد علي، تاريخ العرب في الإسلام، السيرة النبوية، انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الأولى، ص 29 ). أيضاً، نعثر على مثل هذا التصريح في البعض من الدراسات حول الفن المسيحي : ( إن الحذر من التصوير مسنود من قبل اليهود، ثم مؤخراً من المسلمين.. ) ( Paul - Henri michel, la frasque romane, Gallimard, p7 ). ويتأكد هذا الاعتقاد في القاموس الخاص بالإسلام : ( في هذه الحضارة التي يكون فيها تمثيل الكائن الحي محظوراً ) ( Dictionnaire de l'Islam, Albin Michel, p199 ). وقد استخدم اعتقاد تحريم تصوير الكائنات الحية من قبل الإسلام في أغراض شتى في أمهات الكتب الأوربية، الفلسفية والعلمية، في إثبات فكرة أو نظرية ما، حتى لو لم يكن لها علاقة بالفن الإسلامي أو تعاليم الإسلام، مثل كتاب ( علم الجمال ) للفيلسوف الألماني هيجل وهو يتكلم عن عيب محاكاة الطبيعة في الفن : ( ووعي ذلك العيب نجده في اللوم الذي وجهه واحد من الأتراك إلى بروس الذي كان قد أراه صورة سمكة ( معروف إن الأتراك، كاليهود، لا يحبون الصور ). وإليكم ما قاله له ذلك التركي : " لو انتصبت هذه السمكة في وجهك يوم الدينونة لتتهمك بأنك صنعتها، ولكن من دون أن تعطيها روحاً، فكيف ستدافع عن نفسك ؟ ". وكان قد سبق للنبي نفسه، كما نقرأ في ( السنة )، أن قال للمرأتين أم حبيبة وأم سلمى اللتين حدثتاه عن صور رأتاها في المعابد الحبشية، ما معناه إن تلك الصور ستوجه إصبع الاتهام إلى صانعيها يوم القيامة. ) ( هيجل، المدخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الآولى، ص 40 ). أو، أيضاً ، رأي عالم الآثار الفرنسي الشهير ( الأب برْوي ) الذي يستهل به كتابه، ( 400 قرن من الفن الجداري) : ( هنا، نحن نهتم بالفن التشخيصي حسب، إنه بعيد عن التصور السائد، الذي يرجح ارتباطه بمستوى متطور من الحضارة. إذ يوجد اليوم، أو ما زال موجوداً حتى عقود قليلة خلت، مجاميع بشرية تنتمي إلى حضارة عليا، حيث، نتيجة ظروف مختلفة، على سبيل المثال، تحريم الإسلام للشخوص المنحوتة والمرسومة، إن فكرة التشخيص بالذات كانت مضمورة. ) ثم يعيد الكرة، في الصفحة ذاتها، مستشهداً بحدث من الواقع يهدف به الكشف عن حالة التخلف الذاتي عند المسلم نتيجة التحريم، فيقول : ( حكى لي س. رايناخ كيف إن عسكرياً تركي في العهد الذي كان فيه رايناخ تلميذاً في مدرسة أثينا، إذ كان عاجزٌ عن معرفة تخطيط لحصانه، الذي رسمه رايناخ، لأنه لا يستطيع الدوران حوله : ربما كان مقتدر على معرفته بنحت مجسم ؟ ) ( Abbé H. BREUIL, 400 siècles d'art pariétal, p21 )

مصادر التهمة
لقد ألصقت تهمة تحريم تصوير الكائنات الحية  بالفن الإسلامي و بتعاليم الإسلام بسبب من بعض الأحاديث المنسوبة للنبي محمد (ص)، أيضاً، بسبب من ظهور الدراسات الأولى لتاريخ الفن في القرن التاسع عشر في أوربا " ألمانيا "، ومنه القسم الخاص بتاريخ الفن الإسلامي، حيث توقفت الإجابات أمام طريق مسدود لمجموع الأسئلة التي كانت مطروحة حول طبيعة هذا الفن اللا مألوف، من الزخرفة والخط والتصوير والنحت والعمارة، التي تحققت بشتى المواد الضرورية في الإنتاج الفني، من معادن وخشب وورق. إن العثور على بعض مقولات التحريم أو شهادة البعض من المتجولين أو العاملين، آنذاك، في بلاد الإسلام الواسعة، أو الاعتقاد بتحريم تمثيل الكائنات الحية في الفن التشكيلي، عند بعض الفرق أو المذاهب الإسلامية، السالفة والمعاصرة، ثم الأخذ بها دون أي تمحيص أو تأمل للأسباب التي دعت إلى ظهور مثل هذا الاعتقاد وتلك المقولات ومدى فعاليتها أو كيفية تأثيرها على شخصية الفنان المسلم أو على الأسلوب الفني الذي نتعرف من خلاله على انتماءه للإسلام، أو كون مقولات التحريم بالذات نتيجة لتطور الفن الإسلامي نفسه.

التقليدية الأكاديمية
إن الأفكار الخاطئة التي اعتمد عليها المهتمين الأوائل بدراسة الفن الإسلامي، بسبب من جدة الموضوع وفقر المعلومات المتوفرة آنذاك، فضلاً عن خصوصية تلك الحقبة التاريخية التي كانت العقلية الأوربية تعمل ضمن حدودها، فضلاً عن اقتصار دراسة الفن الإسلامي على جهود متخصصي الآثار، كانت قد أعاقت الدراسات التاريخية الجدية التي كان من المرجح لها فهم الفن من خلال دراسة المجتمع الذي تنتمي إليه من نواح عدة، فبدلاً من ذلك، اعتمدت مجمل دراسات المستشرقين على الوصف السردي للأثر الفني أو للحدث التاريخي، من دون أي اجتهاد فعلي من أجل التوصل إلى إجابات واقعية أو مقنعة مفيدة حول شخصية الفن الإسلامي. وبالرغم من التقدم وتراكم الاكتشافات الأثرية واتساع دائرة المهتمين من غير المستشرقين، كان قد تعمم مفهوم التحريم وتأكد الجهل في هذا المجال، حتى غدت أغلب الدراسات المتخصصة اللاحقة تراوح دون تقدم يذكر من الناحية النظرية، مقلدة الطرق العقيمة التي ابتدأ بها الأوائل دراسة وتدوين تاريخ الفن الإسلامي. إن تكرار هذه الحالة، على المستوى العالمي والمحلي، تركت نوعاً من المعارف العامة المؤسسة على الإيمان لا العلم. هدفت بصورة مقصودة أم غير مقصودة تفريغ الفن الإسلامي من محتواه الإنساني، كأثر فني وكنظرية عمل. إن الدهشة البريئة التي صاحبت قول صديقي بأن الإسلام لم يكن قد ظهر بعد في العصور الحجرية، كان ثمة تبريراً لها.

فنية التحريم
لم يكن موضوع ظاهرة التحريم في الفن، عموماً، قد درس بصورة نظرية أو تحليلية ذات علاقة بطبيعة اللغة الفنية، إن مجموع الإشارات حول موضوع التحريم في الفن كان قد أخذ طابع السرد والتدوين التاريخي من دون التوغل فعلياً بمعنى التحريم ضمن العملية الفنية، إن ذكر هذا الحدث أو ذلك القول لا يجدي نفعاً مقارنة بالوقوف على الدوافع أو العوامل الأولية التي هيأت ظهوره واقعياً، أيضاً لا يجدي نفعاً دون تأمل عملية تطور الشكل والمعنى الذي سيصل إليه الموضوع المحرم ضمن العملية الفنية، فربما كان الرمز الممنوح للإله نوعاً من التمجيد أو التحبيذ وهو في الوقت نفسه ناتج لفعل محرم وبالتالي سيصبح هذا الفعل المحرم إحدى دعائم العقيدة الدينية، إن هذا التعقيد المركب هو من صلب طبيعة العملية الفنية. إن ظاهرة التحريم في الفن، منذ البداية، كانت قد ارتبطت بفكرة تمثيل الوجود الإلهي.

هيئة الإله
تصور الإنسان الآلهة في هيئات هائلة الضخامة وتصور استحالة رؤيتها وإن الالتقاء بها مغامرة مليئة بالمخاطر، لا تتم ألا بواسطة أو متصاحبة لظاهرة طبيعية تجلب معها الكوارث والمآسي. إن تصور الإنسان للآلهة في صورة يستحيل تصورها أو يصعب رؤيتها أو التعبير عنها في نقش أو صورة، هو التعبير الأفضل والأكثر وضوحاً في تمثيل طبيعة العملية الفنية والكيفية التي تتم بها إعادة تركيب الأشكال والمعاني في عملية التعبير عن الموضوع الفني عموماً، ذلك كمن يطرح مسألة ويجد حلاً لها وإن المسألة المطروحة هي كيفية التعبير عن فكرة دينية تتعلق بالتجلي الإلهي أو بالوجود الإلهي؟ إن الحل في هذه الحالة هو اللجوء إلى الرمزية، إن كانت في صورة مستعارة من الطبيعة، واقعية، مركبة، أم في شكل محوّر أو مجّرد أو اصطلاحي وربما تتحول كل من هذه الحلول إلى أشكال أو معان ذات استخدامات تقليدية، أي تكون قد أخذت تعبيراً ثابتاً غير متغير في الآن، أيضاً وفي الوقت ذاته، تسمح بترك المجال لأشكال ومعان أخرى لتأخذ مكانها الطبيعي في عملية تطور التعبير الفني.

© 2010 Art Directions all rights reserved